الصالحي الشامي
286
سبل الهدى والرشاد
وقال الطيبي : وهذا التشبيه من التشبيهات المفرقة ، شبه ذاته صلى الله عليه وسلم بالرجل ، وما بعثه الله تعالى به من إنذار القوم بعذاب الله القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح ، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه بمن كذب الرجل في إنذاره وصدقه . وفي قول الرجل : أنا النذير العريان الخ أنواع من التأكيد : أحدها : ( بعيني ) لأن الرؤية لا تكون إلا بها . وثانيها : قوله : ( إني ) و ( أنا ) وثالثها : ( العريان ) فإنه دال على بلوغ النهاية في قرب العدو . وفي ذلك تنبيه على أنه الذي يختص في إنذاره بالصدق والذي لا شبهة فيه ، وهو الذي يحرص جدا على خلاص قومه من الهلاك . وقال في الفرقة الأولى : ( فأطاعني ) وقابله في الثانية ب ( كذب ) ليؤذن بأن الطاعة مسبوقة بالتصديق ، ويشعر بأن التكذيب مستتبع للعصيان ، كأنه جمع في كل من الفرقتين بين المعنيين . وإلى المعنيين أشار بقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أطاعني ) إلى آخره . وأتبع قوله : ( اجتاحهم ) قوله ( أهلكهم ) إعلاما بأنه أهلكهم عن آخرهم فلم يبق أحد . الجيش - بجيم فمثناة تحتية فشين معجمة . بعيني : روى بالافرار وبالتثنية . النجاء النجاء - بالمد فيهما ، وبمد الأولى وقصر الثانية ، وبالقصر فيهما تخفيفا ، نصبا على المصدر إي انجوا النجاء أو على الإغراء أي اطلبوا النجاذ تسرعوا الهرب . أدلجوا : بهمزة فسكون أي ساروا أول الليل كله على الاختلاف في مدلول هذه اللفظة . مهلهم - بفتحتين - والمراد به الهينة والسكون . وبفتح أوله وسكون ثانيه : الإمهال وليس مرادا هنا . الطائفة هنا : الفرقة . صبحهم : أتاهم صباحا هذا أصله ، ثم كثر استعماله حتى استعمل فيمن طرق بغتة في أي وقت كان . اجتاحهم : بجيم فمثناة فوقية فألف فحاء مهملة أي استأصلهم من جحت الشئ أجوحه إذا استأصلته والاسم الجائحة وهي الهلاك ، وأطلقت لأنها مهلكة . الثالث : في بعض فوائد الحديث الثالث : قال القاضي ناصر الدين البيضاوي من شرح المصابيح رحمه الله تعالى : هذا الحديث يحتمل أمرين : أحدهما : أن يكون حكاية سمعها جابر من النبي صلى الله عليه وسلم فحكاها . وثانيهما : أن يكون إخبارا بما شاهده هو نفسه وانكشف له . وقول بعض الملائكة : ( إن العين نائمة والقلب يقظان ) مناظرة جرت بيانا وتحقيقا لما أن النفوس القدسية الكاملة لا يضعف إدراكها بضعف الحواس واستراحة الأبدان .